محمد بن محمد ابو شهبة
9
المدخل لدراسة القرآن الكريم
لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 14 ) أي أسلموا ، فهو طلب برفق ولين وهو لون من ألوان أدب الخطاب في القرآن . ثم تحداهم مرة ثالثة : بأن يأتوا بسورة منه ، أيّ سورة مهما قصرت ، كسورة « الكوثر » فما رفعوا بذلك رأسا ، قال تعالى في سورة « يونس » المكية الآية [ 38 - 39 ] : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) . وهذا الذي ارتضاه جمهور العلماء وارتضيته في ترتيب آيات التحدي هو ما يجب أن يصار إليه ، ومن العلماء من يجعل آية « يونس » متقدمة على آية « هود » ؛ لتقدم نزول سورة يونس على نزول سورة هود ، فيجعل التحدي بسورة قبل التحدي بعشر سور « 1 » ، والجواب أنه على فرض تسليم ذلك فلا يمنع من تأخر نزول آية في سورة متقدمة ، على نزول آية في سورة متأخرة ، على أن بعض العلماء يرى تقدم سورة « هود » على سورة « يونس » ؛ وحينئذ يكون ما ذهبنا إليه هو الحق والصواب ، وإذا كان مستقبحا في الكلام العادي التحدي بشيء فإذا عجز تحداه بعشرة أمثاله فما بالك بأبلغ الكلام ، وأحكمه هذا ما لا يمكن أن يكون في الكتاب المعجز المبين ثم كرر التحدي بسورة ما ، فقال في سورة « البقرة » المدنية [ الآية 23 - 24 ] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 ) . فألقموا حجرا ، ولم ينبسوا في المعارضة بكلمة . . . !
--> على الإعجاز ، أي إن كان مفترى - كما تزعمون - فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، والمراد : المماثلة في الفصاحة والبلاغة وجزالة المعنى وسمو المقاصد والاشتمال على العلوم والمعارف وليس المراد من الآية أن له مثلا . ( 1 ) تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ( ج 4 / ص 349 ) .